يشرح الكاتب الدكتور رمزي بارود أن إيران تعتمد في الحرب الجارية استراتيجية متعددة الأبعاد تشمل الأدوات العسكرية والاقتصادية والسياسية والدبلوماسية، وتهدف هذه المقاربة إلى رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وإسرائيل ومنع أي محاولة لإسقاط النظام في طهران.


ويشير تقريره الذي نشره موقع ميدل إيست مونيتور إلى أن القيادة الإيرانية انتقلت من سياسة ما كان يُعرف بـ"الصبر الاستراتيجي" إلى نهج أكثر تصعيدًا يسعى إلى تغيير موازين المعركة. وتعمل طهران وفق خطة مترابطة تستهدف إرباك خصومها في عدة جبهات في الوقت نفسه، بحيث تتحول الحرب إلى عبء سياسي وعسكري واقتصادي كبير عليهم.


توسيع ساحة المعركة


تعتمد إيران في الجانب العسكري على توسيع نطاق المواجهة جغرافيًا وعملياتيًا. فبدل التركيز على إسرائيل فقط، توجه القوات الإيرانية ضربات إلى منشآت عسكرية واستخباراتية أمريكية في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط.


وتشمل الأهداف قواعد عسكرية ومراكز رادار وشبكات مراقبة وبنى لوجستية تدعم العمليات الأمريكية في المنطقة. ويهدف هذا الأسلوب إلى تحقيق هدفين رئيسيين.


أولًا، تسعى الضربات الإيرانية إلى إضعاف قدرات الرصد والإنذار المبكر لدى خصومها عبر استهداف أنظمة الرادار وشبكات المراقبة، وهو ما يحد من قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على متابعة التحركات العسكرية الإيرانية أو الاستجابة السريعة للهجمات الصاروخية.


ثانيًا، تحاول طهران إيصال رسالة واضحة مفادها أن الحرب لن تبقى محصورة جغرافيًا. فالدول التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية قد تجد أراضيها جزءًا من ساحة الصراع إذا استُخدمت تلك القواعد في عمليات ضد إيران.


وتؤكد القيادة الإيرانية أن الضربات تستهدف البنية العسكرية الأمريكية لا سيادة الدول المضيفة، لكنها في الوقت ذاته تحذر من أن أي مشاركة مباشرة في الهجمات قد تؤدي إلى رد إيراني.


ويعكس هذا النهج تحولًا كبيرًا في الاستراتيجية الإيرانية، إذ لم تعد طهران تكتفي بردود محدودة بل تسعى إلى إغراق خصومها في عدة جبهات في وقت واحد لرفع كلفة استمرار الحرب.


ورقة الاقتصاد والطاقة


تستخدم إيران كذلك أدوات اقتصادية قوية مستندة إلى موقعها الجغرافي في سوق الطاقة العالمي. ويشكل مضيق هرمز أحد أهم عناصر هذه الاستراتيجية، إذ يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية.


وأدت العمليات العسكرية والتهديدات البحرية وتبادل الضربات الصاروخية إلى تحويل المضيق عمليًا إلى منطقة حرب. ولم تعلن إيران رسميًا إغلاق الممر البحري، لكن ظروف الحرب خلقت وضعًا قريبًا من الإغلاق الفعلي.


فقد ارتفعت تكاليف التأمين على ناقلات النفط بشكل كبير، كما علقت بعض شركات الشحن عملياتها أو غيرت مساراتها لتجنب المخاطر. وبهذه الطريقة تحقق طهران تأثيرًا استراتيجيًا دون الحاجة إلى إعلان حصار رسمي للمضيق.


وتنعكس هذه التطورات على الأسواق العالمية، حيث ترتفع أسعار النفط وتتزايد حالة عدم اليقين في التجارة الدولية. وتواجه الاقتصادات الأوروبية خصوصًا ضغوطًا إضافية بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة، في وقت لم تتعاف فيه بالكامل من تداعيات أزمة الطاقة المرتبطة بالحرب في أوكرانيا.


ومن خلال هذه المعادلة الاقتصادية تسعى إيران إلى نقل كلفة الحرب إلى النظام الاقتصادي العالمي الذي تعتمد عليه القوى الغربية، بحيث لا تبقى آثار الصراع محصورة في الشرق الأوسط فقط.


تماسك داخلي ورسائل دبلوماسية


يركز جزء مهم من الاستراتيجية الإيرانية على الجبهة الداخلية. فقد توقع بعض المحللين الغربيين أن يؤدي الضغط العسكري واغتيال شخصيات سياسية وعسكرية بارزة إلى إحداث اضطراب داخلي أو أزمة سياسية في إيران.


لكن القيادة الإيرانية سعت إلى إظهار صورة معاكسة عبر تنظيم تجمعات جماهيرية ومظاهرات في مدن مختلفة دعمت الحكومة ونددت بالهجمات الخارجية.


وتحمل هذه التحركات رسالة سياسية واضحة، إذ تحاول السلطات إظهار وحدة المجتمع الإيراني ومنع ظهور قوى داخلية قد تدعي تمثيل الشارع في مواجهة الحكومة. كما تسعى طهران إلى نفي فكرة أن التدخل العسكري الخارجي يهدف إلى دعم المعارضة الداخلية.


وفي الوقت نفسه تحافظ إيران على توازن دبلوماسي حذر مع الدول العربية. فقد شدد المسؤولون الإيرانيون مرارًا على أن الهجمات تستهدف المنشآت العسكرية الأمريكية وليس الدول التي تستضيفها.


وتهدف هذه الرسالة إلى منع تحول الحكومات العربية إلى أطراف مباشرة في الحرب. وتوضح طهران موقفها بعبارة مزدوجة: لا تسمحوا باستخدام أراضيكم للهجوم على إيران، وإذا تجنبتم المشاركة المباشرة فلن تعتبركم إيران أعداء.


ومع ذلك تواجه الاستراتيجية الإيرانية بعض التحديات، أبرزها ضعف القدرة الإعلامية على إيصال الرواية الإيرانية إلى الرأي العام العالمي مقارنة بالآلة الإعلامية الغربية. كما لم تصل الاحتجاجات الدولية المناهضة للحرب إلى مستوى الضغط السياسي القادر على تغيير مواقف الحكومات الداعمة للصراع.


ورغم هذه التحديات، توحي تحركات طهران بأنها تخوض الحرب وفق خطة استراتيجية واضحة تجمع بين التصعيد العسكري والضغط الاقتصادي والتعبئة الداخلية والرسائل الدبلوماسية، في محاولة لرفع كلفة الصراع إلى مستوى قد لا يتحمله خصومها على المدى الطويل.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20260309-the-war-iran-prepared-for-how-tehran-is-raising-the-cost-of-war/